محمد بن علي الشوكاني
1320
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
مواعظ الله - سبحانه - ، فإن ذلك من النصحية التي يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها : " الدين ( 1 ) النصيحة " وقد تواترت الأدلة المرشدة إلى المناصحة ( 2 ) ، وأيضا ذلك يندرج تحت عمادي هذا الدين اللذين تبنى عليهما قناطره ، وترجع إليهما أوائله وأواخره ، وهما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . إذا وجدنا [ 1 ب ] لذلك موضعا ، ورأينا له قبولا . ولا أقول أنه يتعين على الأمر الناهي تلاوة هذه السورة ، بل أقول أنها من أتم ما يحصل به هذا الغرض ، ويتأذى عنده هذا المطلب ، وأنت تعلم أن الله - سبحانه - إنما أنزل هذه السورة على عباده ليعملوا بها ، ويقوموا . مما اشتملت عليه من
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 55 ) وأبو داود رقم ( 4944 ) والنسائي ( 7 / 156 ) والترمذي رقم ( 2007 ) من حديث تميم بن أوس الداري رضي الله عنه ، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " الدين النصيحة " قلنا : لمن ؟ قال : " لله ، ولكتابه ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم " وهو حديث صحيح . ( 2 ) قال تعال عن نوح : { أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ } الأعراف : 62 . وعن هود : { وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ } الأعراف : 68 . وأخرج البخاري في صحيحة رقم ( 7204 ) ومسلم رقم ( 99 / 56 ) من حديث جرير قال بايعت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على السمع والطاعة فلقنني ( فيما استطعت والنصح لكل مسلم ) . النصيحة : كلمة جامعة ، معناها حيازة الحظ للمنصوح له . قال : ويقال : هو من وجيز الأسماء ، ومختصر الكلام ، وليس في كلام العرب كلمة مفردة يستوفي بها العبارة عن معنى هذه الكلمة ، كما قالوا في الفلاح : ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة منه . قال : وقيل : النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه . فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له ، مما يسده من حلل الثوب . قال : وقيل : إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الشمع ، شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط . قال : ومعنى الحديث : عماد الدين وقوامه النصيحة . كقوله : " الحج عرفة " أي عماده ومعظمه عرفة . وقال ابن بطال رحمه الله في هذا الحديث : إن النصيحة تسمى دينا وإسلاما ، وإن الدين يقع على العمل كما يقع على القول . قال : والنصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ، ويطاع أمره ، وأمن على نفسه المكروه ، فإن خشي على نفسه أذى فهو في سعة . " 1 ه - . " فتح الباري " ( 13 / 197 ) و " المفهم " ( 1 / 243 ) .